محمد عزة دروزة
16
التفسير الحديث
النحو الذي سلكتموه ، أمّا وإن الغرض للمفسر والقارئ معا غير هذا ، فلا مانع من سلوكه إطلاقا . ويستأنس لسواغية هذه الطريقة بما سلكه أجلَّة من علماء الأمة المشهود لهم بالإمامة والقدوة من المتقدمين في تآليفهم ، ولم يعلم أن أحدا أنكر عليهم ما صنعوا ، ويحضرني منهم الآن الإمام ابن قتيبة المتوفى سنة 276 من الهجرة ، فقد مشى في تفسير ما فسره في كتابه المطبوع « تأويل مشكل القرآن » على غير ترتيب النزول وعلى غير الترتيب المتلو الآن ، ويبدو هذا جليا فيه ب ص 240 - 339 ، ولا أشك أن هناك غيره من شاركه في هذه الطريقة من علماء عصره وما بعده ، ممن لا يسعني الآن البحث عنهم ، لضيق الوقت لديّ . على أن القول بالمنع تبعا لهذه النظرة الضيقة ينبغي أن يشمل ما سلكه الشيخ جلال الدين المحلَّي ثم جلال الدين السيوطي في تفسيرهما المعروف بتفسير الجلالين ، إذ قد بدأ الأول بالتفسير من آخر القرآن الكريم وهو صاعدا إلى سورة الكهف ، ثم مات فأتم الجلال السيوطي من حيث وقف سلفه إلى أول القرآن الكريم ، فهما لم يراعيا في مسلكهما هذا : البدء على ترتيب القرآن من أوله إلى آخره . وكذلك ينبغي أن يشمل ما صنعه الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه « قصص الأنبياء » والشيخ محمد أحمد العدوي في كتابه « دعوة الرسل إلى اللَّه » ، فهما أيضا لم يراعيا في مواضيع كتابيهما ترتيب القرآن المتلو اليوم ، بل راعيا اعتبارا آخر ، وكذلك ينبغي أن يتناول المنع كتابكم « الدستور القرآني في شؤون الحياة » ، فقد سلكتم فيه نحو طريقتكم في التفسير من جمع طائفة من الآيات الكريمة في صعيد واحد ، ثم تفسيرها وبيان ما تلهمه من المعاني الكريمة ، فهل يصح أن يقال : إنكم مع من ذكرنا قد خالفتم ترتيب كتاب اللَّه تعالى ، وجافيتم الحق المشروع ؟ فإن قيل : هناك فارق بين صنيعكم هناك في « الدستور » وصنيعكم هنا في « التفسير » ، فإن الأول يمكن أن يجعل من باب التأليف على اعتبار وحدة الموضوع